علي بن محمد البغدادي الماوردي

404

النكت والعيون تفسير الماوردى

والثاني : ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق . أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ . وفي أصل الخلاق قولان : أحدهما : أن أصله من الخلق بفتح الخاء وهو النفس ، وتقدير الكلام لا نصيب لهم . والثاني : أن أصله الخلق بضم الخاء لأنه نصيب مما يوجبه الخلق الكريم . وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ فيه قولان : أحدهما : لا يكلمهم اللّه بما « 388 » يسرهم ، لكن يكلمهم بما يسوءهم وقت الحساب لأنه قال : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ . والثاني : لا يكلمهم أصلا ولكن يرد حسابهم إلى الملائكة . وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فيه قولان : أحدهما : لا يراهم « 389 » . والثاني : لا يمن عليهم . وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يقضي بزكاتهم . واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنها نزلت في قوم من أحبار اليهود : أبي رافع ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وكعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب كتبوا كتابا بأيديهم ، ثم حلفوا أنه من عند اللّه فيما ادعوا به ليس عليهم في الأميين سبيل ، وهو قول الحسن ، وعكرمة . والثاني : أنها نزلت في الأشعث وخصيم له تنازعا في أرض ، فقام ليحلف ، فنزلت هذه الآية ، فنكل الأشعث واعترف بالحق .

--> ( 388 ) وهذا القول رجحه ابن جرير فيما ذكرت سابقا في سورة البقرة فراجعه هناك . ( 389 ) وهذا النظر المنفي في الآية إنما هو نفي نظر خاص لا نفي النظر العام الذي يدل على الإحاطة والشمول فإن اللّه تعالى ينظر إلى عباده الطائعين والعاصين ولا يحجبهم عنه شيء وهم لا يغيبون عنه سبحانه وتعالى والنظر المنفي في الآية كالنظر المنفي في الحديث لا ينظر اللّه لرجل لا يقيم صلبه في الصلاة فليس معنى ذلك أن اللّه تعالى لا ينظر إليه نظر شمول وإحاطة وإنما معنى النفي هنا إنما هو المستلزم لرحمة اللّه تعالى فلا ينظر اللّه تعالى لمن في الآية أو الحديث نظر رحمة واللّه أعلم .